السيد محمد باقر الصدر
291
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
الرأسمالي الأوروبي وطابعه الفكري والروحي ومقاييسه الخُلُقيّة والعمليّة . غير أنّ من الممكن أن يحدث تحوّل أساسي في القوانين الاقتصاديّة لحياة المجتمع بمجرّد تغيير هذا الأساس ، ومواجهة مجتمع يختلف عن المجتمع الرأسمالي في القاعدة العامّة لسلوك أفراده وفي الأفكار والقِيَم التي يؤمنون بها ، وليس هذا افتراضاً نفترضه ، وإنّما هو واقع نتحدّث عنه ، فإنّ المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدّد لها دوافع السلوك والقِيَم العمليّة في الحياة . ولنأخذ مثلًا لذلك المجتمع الرأسمالي ، والمجتمع الذي دعا إليه الإسلام وتمكّن من إخراجه إلى حيّز الوجود . فقد عاش في ظلّ الإسلام مجتمع بشري من لحم ودم ، تختلف القاعدة العامّة لسلوكه ومقاييسه العمليّة ومحتوياته الروحيّة والفكريّة عن المجتمع الرأسمالي كلّ الاختلاف . فإنّ الإسلام - بوصفه ديناً ومذهباً خاصّاً في الحياة - وإن كان لا يعالج أحداث الاقتصاد معالجة علميّة ولكنّه يؤثّر على هذه الأحداث ومجراها الاجتماعي تأثيراً كبيراً ، بوصفه يعالج محور تلك الأحداث ، وهو الإنسان في مفاهيمه عن الحياة ودوافعه وغاياته ، فيصهره في قالبه الخاصّ ، ويصوغه في إطاره الروحي والفكري ، وبالرغم من أنّ التجربة التي خاضها الإسلام في سبيل إيجاد هذا المجتمع كانت قصيرة قد أسفرت عن أروع النتائج التي شهدتها حياة الإنسان ، وبرهنت على إمكان التحليق بالإنسان إلى آفاق لم يستطع أن يتطلّع إليها أفراد المجتمع الرأسمالي الغارقون في ضرورات المادّة ومفاهيمها إلى رؤوسهم . وفي النزر اليسير ممّا يحدّثنا به التاريخ عن نتائج التجربة الإسلاميّة وروائعها ما يلقي ضوءاً على إمكانات الخير المكتنزة في نفس الإنسان ، ويكشف عن الطاقة الرساليّة في الإسلام التي استطاع بها أن يجنّد تلك الإمكانات